الملا فتح الله الكاشاني
21
زبدة التفاسير
يشرب ماء إلَّا وثلثاه دمع . وجهد نفسه راغبا إلى اللَّه في العفو عنه ، حتّى كاد يهلك . واشتغل بذلك عن الملك ، حتّى وثب ابن له يقال له : إيشا على ملكه ، ودعا إلى نفسه ، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل . * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ ) * أي : ما استغفر عنه * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى ) * لقربة * ( وحُسْنَ مَآبٍ ) * مرجع في الجنّة . ولمّا غفر له حارب ابنه فهزمه . وقيل : إنّه نقش هذه الزلَّة في كفّه حتّى لا ينساه . واختلف في أنّ استغفار داود من أيّ شيء كان ؟ فقيل : إنّه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى اللَّه تعالى ، والخضوع له ، والتذلَّل بالعبادة والسجود . كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السّلام بقوله : * ( والَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) * « 1 » . وأما قوله : * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ ) * فمعناه : أنّا قبلناه منه وأثبناه . ولمّا كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول ، قيل في جوابه : غفرنا . وهذا قول من ينزّه الأنبياء عن جميع الذنوب ، من الإماميّة وغيرهم . ومن جوّز على الأنبياء الصغائر قال : إنّ استغفاره كان لذنب صغير وقع منه . وهو أنّ أوريا بن حيّان خطب امرأة ، وكان أهلها أرادوا أن يزوّجوها منه ، فبلغ داود جمالها ، فخطبها أيضا فزوّجوها منه ، وقدّموه على أوريا . فعوتب داود على حرصه على الدنيا ، وعلى أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه . وقيل : إنّه خرج أوريا إلى بعض ثغوره فقتل ، فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده ، إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته ، فعوتب على ذلك بنزول الملكين . وقيل : إنّه كان في شريعته أنّ الرجل إذا مات وخلَّف امرأة فأولياؤه أحقّ بها ، إلَّا أن يرغبوا عن التزوّج بها ، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوّج بها . فلمّا قتل أوريا خطب داود امرأته ، ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها ،
--> ( 1 ) الشعراء : 82 .